نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
214
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
السنة ، وما يزدادون إلا قلة ، ولو وجدنا درهما من الحلال لاستشفينا به مرضانا . وقال معاذ بن جبل رضي اللّه تعالى عنه : « ما من عبد إلا ويعرض على اللّه يوم القيامة فلا تزول قدماه حتى يسأل عن أربع خصال : عن جسده فيم أبلاه ، وعن عمره فيم أفناه ، وعن علمه كيف عمل به ، وعن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه ؟ » . وقال بعض الحكماء : المنافق ما أخذ من الدنيا يأخذ من الحرص ويمنع بالشك وينفق بالرياء ، والمؤمن البصير يأخذ بالخوف ويمسك بالشكر وينفق خالصا لوجه اللّه تعالى . وقال يحيى بن معاذ الرازي رحمه اللّه تعالى : الطاعة مخزونة في خزائن اللّه تعالى ومفتاحها الدعاء وأسنانها لقمة الحلال . وعن ابن شبرمة رحمه اللّه تعالى قال : العجب ممن يحتمي من حلال مخافة الداء فكيف لا يحتمي بالحرام مخافة النار . وروى ابن الزبير عن جابر رضي اللّه تعالى عنهما عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « يا أيها الناس إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه فلا تستبطئوا الرزق فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب فخذوا ما حلّ لكم وذروا ما حرّم اللّه » وقال الحكيم : الناس في الكسب على خمس مراتب : منهم من يرى الرزق من اللّه تعالى ومن الكسب فهو مشرك ، ومنهم من يرى الرزق من اللّه تعالى ولا يدري أيعطيه أم لا فهو منافق شاك ، ومنهم من يرى الرزق من اللّه تعالى ولا يؤدي حقه ويعصي اللّه تعالى فهو فاسق ، ومنهم من يرى الرزق من اللّه تعالى ويرى الكسب سببا وأخرج حقه ولا يعصي اللّه تعالى لأجل الكسب فهو مؤمن مخلص » . وروي عن زيد بن أرقم رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : كان لأبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه غلام يأتيه كل ليلة بغلته طعاما يأكله ، وكان أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه لا يأكله حتى يسأله من أين اكتسبه ومن أين أصابه . قال : جاء ذات ليلة بطعام فضرب يده إليه فأكل لقمة من غير أن يسأله ، فقال الغلام قد كنت تسألني كل ليلة غير هذه الليلة فإنك لم تسألني ؟ قال ويحك الجوع حملني ، ويحك أخبرني من أين جئت به ؟ قال كنت رقيت لأناس في الجاهلية فوعدوني عليه عدة فرأيت عندهم وليمة فذكرتهم وعدهم الذي وعدوني فأعطوني هذا الطعام ، فاسترجع أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه عند ذلك ثم أخذ يتقيأ فكابد وجاهد نفسه أن ينزع اللقمة من بطنه فلم يقدر حتى اخضرّ واسودّ من الجهد فلم يقدر ، فلما رأوا ما يلقى من المعالجة ، قالوا لو شربت عليه قدحا من ماء فأتى بعس من ماء فشرب ثم تقيأ فما زال يعالج نفسه حتى نبذها ، فقالوا هذا من أجل هذه اللقمة . قال إني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « إن اللّه تعالى حرّم الجنة على كل جسد تغذى أو غذي بحرام » . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه : من أراد أن يكون كسبه طيبا فعليه أن يحفظ خمسة أشياء : أوّلها أن لا يؤخر شيئا من فرائض اللّه تعالى لأجل الكسب ولا يدخل النقص فيها . والثاني لا يؤذي أحدا من خلق اللّه تعالى لأجل الكسب ، والثالث أن يقصد بكسبه استعفافا لنفسه ولعياله ولا يقصد به الجمع والكثرة . والرابع أن لا يجهد نفسه في الكسب جدا . والخامس أن لا يرى رزقه من الكسب ويرى